ابن قيم الجوزية
423
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأما « تسليم القصد إلى الكشف » فليس معناه : أن يترك القصد عن معاينة الكشف . فإنه متى ترك القصد خلع ربقة العبودية من عنقه . ولكن يجعل قصده سائرا طالبا لكشفه يؤمه . فإذا وصل إليه سلمه إليه . وصار الحكم للكشف . إذ القصد آلة ووسيلة إليه . فإن كان كشفا صحيحا مطابقا للحق في نفسه : كشف له عن آفات القصد ، ومفسداته ، ومصححاته وعيوبه . فأقبل على تصحيحه بنور الكشف . لا أن صاحب القصد ترك القصد لأجل الكشف فهذا سير أهل الإلحاد ، الناكبين عن سبيل الحق والرشاد . وأما « ترك الرسم إلى الحقيقة » فإنه يشير به إلى الفناء . فإن من جملة تسليم صاحب الفناء : تسليم ذاته ليفنى في شهود الحقيقة . فإن ذات العبد هي رسم . والرسم تفنيه الحقيقة . كما يفني النور الظلمة . لأن عند أصحاب الفناء : أن الحق سبحانه لا يراه سواه . ولا يشاهده غيره . لا بمعنى الاتحاد . ولكن بمعنى : أنه لا يشاهده العبد حتى يفنى عن إنّيّته ورسمه ، وجميع عوالمه ، فيفنى من لم يكن . ويبقى من لم يزل . هذا كإجماع من الطائفة . بل هو إجماع منهم . قال : « الدرجة الثالثة : تسليم ما دون الحق إلى الحق ، مع السلامة من رؤية التسليم ، بمعاينة تسليم الحق إياك إليه » . هذه الدرجة تكملة الدرجة التي قبلها . فإن التسليم في التي قبلها بداية لها . وهي واسطة بين الدرجة الأولى والثالثة . فالأولى : بداية ، والثانية : وسط . والثالثة : نهاية . قوله « تسليم ما دون الحق إلى الحق » يريد به : اضمحلال رسوم الخلق في شهود الحقيقة . وكل ما دون الحق رسوم . فإذا سلم رسمه الخاص إلى ربه : حصل له حقيقة الفناء . وهذا التسليم نوعان : أحدهما : تسليم رسمه الخاص به . والثاني : تسليم رسوم الكائنات ، ورؤية تلاشيها واضمحلالها في عين الحقيقة . وهذا علم ومعرفة . والأول حال . قوله « والسلامة من رؤية التسليم » أي ينسلب أيضا من رسم رؤية التسليم . فإن « الرؤية » أيضا رسم من جملة الرسوم . فما دام مستصحبا لها : لم يسلم التسليم التام . وقد بقيت عليه بقية من منازعات رسمه . ثم عرّف كيفية هذا التسليم . فقال « بمعاينة تسليم الحق إياك إليه » أي ينكشف لك - حين تسلّم ما دون الحق إلى الحق - أن الحق تعالى هو الذي سلم إلى نفسه ما دونه . فالحق تعالى هو الذي سلمك إليه . فهو المسلّم وهو المسلّم إليه . وأنت آلة التسليم . فمن شهد هذا المشهد : وجد ذاته مسلّمة إلى الحق . وما سلمها إلى الحق غير الحق ، فقد سلم العبد من دعوى التسليم . واللّه أعلم . منزلة الصّبر ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الصبر » . قال الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى : الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعا .